محمد جمال الدين القاسمي

439

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

على زيادة فيه ، لا يضر ذلك بكونه بيانا . كما أن مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ بيان مع شموله للحيوان والنبات . وفيه من البديع التبديل ، كقوله تعالى : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ * [ الحج : 61 ] . قال في ( الانتصاف ) : وقد وردا جميعا بصيغة الفعل كثيرا في قوله : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ [ الروم : 24 ] . وقوله أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ [ يونس : 31 ] فعطف أحد القسمين على الآخر ، كثيرا دليل على أنهما توأمان مقترنان ، وذلك يبعد قطعه عنه في آية الأنعام هذه وردّه إلى فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى فالوجه - واللّه أعلم - أن يقال : كان الأصل وروده بصيغة اسم الفاعل أسوة أمثاله من الصفات المذكورة في هذه الآية من قوله فالِقُ الْحَبِّ و فالِقُ الْإِصْباحِ و ( جاعل الليل ) و يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ إلا أنه عدل عن اسم الفاعل إلى الفعل المضارع في هذا الوصف وحده ، وهو قوله يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ إرادة لتصوير إخراج الحيّ من الميت ، واستحضاره في ذهن السامع . وهذا التصوير والاستحضار إنما يتمكن في أدائهما الفعل المضارع دون اسم الفاعل والماضي . وقد مضى تمثيل ذلك بقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً [ الحج : 63 ] فعدل عن الماضي المطابق لقوله أَنْزَلَ لهذا المعنى ، ومنه ما في قوله : بأنّي قد لقيت الغول تهوي * بسهب كالصحيفة صحصحان فأضربها بلا دهش فخرّت * صريعا لليدين وللجران فعدل إلى المضارع إرادة لتصوير شجاعته ، واستحضارها لذهن السامع . ومنه إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً [ ص : 18 - 19 ] ، فعدل عن ( مسبّحات ) وإن كان مطابقا ل مَحْشُورَةً لهذا السبب - واللّه أعلم - . ثم هذا المقصد إنما يجيء فيما يكون العناية به أقوى . ولا شك أن إخراج الحيّ من الميت أشهر في القدرة من عكسه . وهو أيضا أول الحالين ، والنظر أول ما يبدأ فيه . ثم القسم الآخر وهو إخراج الميت من الحي بان عنه ، فكان الأول جديرا بالتصديق والتأكيد في النفس ، ولذلك هو مقدم أبدا على القسم الآخر في الذكر ؛ حسب ترتيبهما في الواقع . وسهل عطف الاسم على الفعل وحسّنه . أن اسم الفاعل في معنى الفعل المضارع ، فكل واحد منهما يقدّر بالآخر ، فلا جناح في عطفه عليه - واللّه أعلم - انتهى .